Jiří Surůvka الفنان لا يتفاهم مع البيروقراطي، ولِمَ عليه ذلك أصلاً

عن حبّ أوسترافا الخشنة التي تعلَق تحت جلدك، وعن شبكة أصدقاء تمتدّ من كييف إلى غوتنبرغ، وعن الثمن الذي يتقاضاه المسار الفنّي

يِرجي سوروفكا – Jiří Surůvka: الفنان لا يتفاهم مع البيروقراطي، ولِمَ عليه ذلك أصلاً | ArtGraduates Magazine
Jiří Surůvka في Ponavafest ببرنو، 24 مايو 2026. الصورة: Jan Karpíšek

يمتدّ هذا الحوار مع أحد كلاسيكيّي مشهد أوسترافا الفنّي من اختراقاته للمشهد البراغي في التسعينيات، مروراً بالإقامة الفنّية في فيينا التي فتحت له أبواب أوروبا، وصولاً إلى حكاية جدّه الفيلقيّ الذي وُوري الثرى في المقبرة المركزية ببرنو.

التقينا في معرضكم Game over في صالة مدينة بلانسكو، حيث تتناولون إلى حدٍّ ما موضوع الدخول في التقاعد. حكيتم أنكم في طفولتكم كنتم تجيبون عن سؤال «ماذا تريد أن تصير؟» بقولكم: متقاعداً. فكيف هو شعوركم ببلوغ هدف حياتكم؟ هل أنتم فنان سعيد في التقاعد؟ وهل غيّر دخولُكم التقاعدَ شيئاً في كيفية إبداعكم وأسبابه؟

حسناً، لم يتحقق هذا الهدف الطفوليّ للأسف إلا مع اقتراب الشيخوخة. أظنّني أردتُ أن أصير متقاعداً ومستقلاً مادياً فور خروجي من الروضة. لم أُنهِ دراستي، بعد تقلّبات شتّى، إلا في نحو الحادية والثلاثين. ثم، بعد عام ونصف من التدريس في مدرسة الفنون التطبيقية الثانوية (SUPŠ)، صرتُ متقاعداً فعلاً (بمعاش عجز) لنحو خمس سنوات، أجوب المِنَح والإقامات الفنّية في أوروبا والولايات المتحدة، وأعرض في كل مكان، وأقدّم كثيراً من الأداء أيضاً. وفي 1996 كنتُ على الأرجح أوّل من بدأ هنا بإنتاج المطبوعات الرقمية، وجرّبتُ أشكالاً مختلفة من الوسائط الجديدة، خصوصاً فن الفيديو وتجهيزات الفيديو والمُجسّمات وما إلى ذلك. لكن الأمر كان صعباً نسبياً بالنظر إلى حال تقنيات الحوسبة وإمكاناتها وسَعتها في التسعينيات ومطلع الألفية، وهي ما أتيح لي حينها... أما الآن في التقاعد فقد سئمتُ الحواسيب حتى الثمالة، لذا يطيب لي أن أعود إلى الرسم وصناعة المُجسّمات... حتى الأداء صرتُ أُقلّله.

Jiří Surůvka: Game over، تجهيز، 2026
«Game over»، تجهيز، 2026

يمكن للحياة اليوم أن تُرقمَن بقدرٍ مُفرط. فما الذي يزعجكم تحديداً في الحواسيب؟

حسناً، أنا لستُ بعدُ من الجيل الذي نشأ مع الحواسيب، وقد استغرقني وقتٌ طويل لأستوعب منطق التخاطب معها. هو عندي أشبه بالتخاطب مع الموظفين، أو بذلك الحوار في حكاية هانسل وغريتل: «أيتها السيدة، هل مرّ أطفال من هنا؟» ــ «أنا أنقّي الكتّان، وحين أفرغ منه أنشره ليجفّ...» وهكذا. فكان ذلك بالنسبة إليّ عذاباً كثيراً وساعاتٍ أمضيتُها منحنياً فوق حاسوب محمول كلّف عام 2002 خمسةً وثمانين ألفاً، وهو ما كان يعادل دخل نصف عام لي حينها. وكان عليّ أن أسافر لأُحرّر الفيديو لدى شركات متخصّصة، أدفع فيها للتقنيين أجراً بالساعة وليس بالقليل، لأن سَعة حاسوبي آنذاك كانت 3.6 غيغابايت، بينما قد يبلغ الفيديو 6 غيغابايت. وذلك رغم أنني كنتُ أملك عام 1999 حاسوب Macintosh G3 الذي كلّف مئةً وثلاثين ألفاً؛ اشتراه لي حينها أحد أثرياء أوسترافا مقابل نحو سبع لوحات أعطيته إياها. فكان الأمر «مضايقةً قصوى». لم تكن لديّ رغبة حتى في تعلّم برامج Adobe وMicrosoft الأساسية وما شابه. وحين تزاوج الموظفون أخيراً مع الحواسيب وأدخلوها إلى مكاتبهم، صار الأمر جحيماً مضاعفاً على الأرض. فمع طلبات المِنح وتقديم تقاريرها المالية، ثم التدريس الجامعي لاحقاً، تبقرطَ كل شيء، وصرتُ أبداً مضطراً إلى تدوين شيء ما في استمارات وإرساله إلى موظفين في رئاسة الجامعة والوزارة وما إلى ذلك. جحيم! فتخلّيتُ في النهاية عن الوسائط الجديدة... الفنان لن يتفاهم مع الموظف حتى بمعونة الحاسوب، ولِمَ عليه ذلك أصلاً.

مسيرتكم استثنائية أيضاً في أنكم لم ترحلوا قطّ «في سبيل الفن» إلى براغ ــ بل بقيتم في أوسترافا وإقليمها. فما الذي أبقاكم هنا؟ ألم يُغرِكم المركز حيث يُحسَم ظاهرياً مَن هو الفنان «الكبير»؟

في التسعينيات كنتُ أسافر إلى براغ مرّتين في الشهر تقريباً، بضعة أيام في كل مرة، كي أفرض حضوري هناك، لكنني ما كنتُ لأرغب في العيش فيها. حالفني الحظّ أن يلتفت إليّ، مع فنانين آخرين من خارج براغ أيضاً، الأمناءُ Jana وJiří Ševčík وLenka Lindaurová وIvan Mečl ــ الذي أنجز لي أول كتالوج بوصفه مُلحقاً لمجلته Umělec (أي «الفنان»). بعد ذلك صار الجميع يعرفني ولم أعد مضطراً للذهاب إلى براغ بهذا التواتر. أنا ابن منطقتي وأحبّ أوسترافا. لا أحد هنا يتصنّع أو يُخفي مشاعره، والنفاق أقلّ، وللمراقب ــ والفنان ينبغي أن يكون مراقباً جيداً ــ يَسهُل فهمُ كثير من الأمور. لا أقول إنني لم ألتقِ أناساً رائعين كثيرين في براغ وغيرها، لكن الغباء والانقياد القطيعيّ، من بين أمور أخرى، يُدرَسان على أفضل وجه هنا عندنا في أوسترافا.

Jiří Surůvka: مونا من ليدل، لوحة، 2023
«مونا من ليدل»، لوحة، 2023

لِنُنصِف أولئك البراغيين الرائعين ــ أيمكنكم أن تذكروا بعض أصدقائكم وما الذي تحبّونه فيهم؟

في الواقع، معظم البراغيين المفضّلين لديّ أصلهم من مورافيا على أي حال، عدا استثناءات قليلة، وحتى هؤلاء لم يكونوا في الأصل من براغ. أدّيتُ امتحانات القبول في أكاديمية الفنون الجميلة في براغ (AVU) عام 1990؛ من بين 900 متقدّم، تأهّل منّا ستون إلى الجولة الثانية. تقدّمتُ إلى مرسم الرسم (J. Sopko وNačeradský وB. Dlouhý)، وهناك تعرّفتُ خلال تلك الأيام القليلة إلى Tomáš Vaněk وRoman Franta وRoman Trabura. أما Pavel Šmíd وPetr Pastrňák فكانا رفيقيّ في مجموعة Přirození؛ وقد التحقا لاحقاً بالـ AVU، وفي التسعينيات كنا نلتقي في معارض مشتركة، في براغ غالباً، وفي الندوات. وكان ابن عمّي Petr Lysáček آنذاك طالباً لدى St. Kolíbal. فكنتُ أزورهم في الـ AVU وألتقي هناك أيضاً بـ M. Knížák وJ. Sopko وVl. Kokolia وJ. Kovanda وغيرهم. وهو Petr Lysáček مَن عرّفني إلى آل Ševčík. أنجزنا معاً عملاً فيديوياً ثلاثيّ القنوات على تلّ نفايات المناجم في أوسترافا لمعرض «ما يتبقّى» (To, co zbývá، 1993) الذي نظّماه، وقد أعجبهم كثيراً الجزء الخاصّ بي ــ وأنا في الشارع مع درّاجة جبلية أؤدّي ما يشبه تمارين السباركياد (استعراضات الجمباز الجماعية في الحقبة الشيوعية). بل إن صورة منه ظهرت على غلاف كتالوج المعرض، وكان ذلك على الأرجح أحد اللحظات المفصلية؛ ومنذئذٍ لم أغِب عن معارضهم السنوية. ومن اللحظات المهمّة الأخرى معرضي الفردي الأول في صالة MXM (عام 1998)، وكوني عرضتُ فيه، من ضمن أشياء أخرى، تلك المطبوعات الرقمية، التي اقتنى طابعتَها ــ ولحُسن الحظّ كأول واحدة في البلاد ــ صديقُنا Rosťa Němčík من Petřvald قرب أوسترافا. اشتراها، من هونغ كونغ على ما أظنّ، قبل أي أحد في براغ.

في تلك الفترة من الحرية المكتسَبة حديثاً كانت ثلاثة أجيال تدخل معاً في الواقع إلى الحياة الفنّية: أبناء جيل الستينيات والسبعينيات، ونحن أبناء جيل الثمانينيات، وتدريجياً الأصغر منّا بعشر سنوات أيضاً. فكنا نلتقي في معارض شتّى بفنّاني مجموعات مثل Tvrdohlaví و12/15، وبأساتذة الـ AVU والـ UMPRUM (أكاديمية الفنون والعمارة والتصميم في براغ) ثم بطلابهم تدريجياً، ولم نُضمِر أيّ ضغينة بين الأجيال ــ كما هو الحال اليوم في تقديري ــ بل كنا سعداء بأن الجيل الأكبر ودود ومُرحِّب بنا، وكنا نُقدّر عمله... وربما لم يكن ليخطر ببالنا أن ننعتهم بـ«البومرز» ونزدري آراءهم. أظنّ أن المنافسة الرأسمالية لم تكن تضغط علينا؛ فالفن آنذاك كان على هامش اهتمام المجتمع، ولم يكن عدد الفنانين في المتر المربع من البلاد بهذه الكثرة كما اليوم... وأخيراً، مساعدةُ Ivan Mečl وهيئة تحرير Divus التي ذكرتُها في موضع آخر من هذا الحوار. كما ساعدتنا في البدايات رئيسةُ تحرير مجلة Ateliér، Blanka Jiráčková، والقيّمة Milena Slavická. ثم كانت هناك المعارض في صالة Špála التي شاركتُ في عدد منها، ومشروعٌ لبينالي البندقية 1999 مع M. Juříková، مديرة صالة مدينة براغ (GHMP) لاحقاً، ودعمها فيما بعد. وكان تعاوني العَرَضيّ مع صالة MXM في كامبا وأمينها الثاني Jan Černý مفصلياً أيضاً، مع أنني لم أكن من فنّانيها الدائمين. ومن المؤكد أنني نسيتُ الآن كثيرين غيرهم من أهل الفن الرائعين والفنانين...

تتحدّثون عن الحظّ، لكن ما الذي كان عليكم أن تمتلكوه كي يجدكم ــ كي يلتفت الأمناء البارزون إلى عملكم ويختاروكم؟ بالمناسبة، أتذكّر جيداً كتالوج Umělec؛ كان في حينه بمثابة تجلٍّ لي لنهجٍ جديد كلياً، استفزازيّ وساخر من الذات.

هذا ما أذكره في الإجابة السابقة ــ أولئك الطيّبون الذين التفتوا إلى عملي منذ البداية تماماً، وبفضلهم فرضتُ حضوري تدريجياً في براغ ثم في غيرها لاحقاً. وبفضل كوني على الأرجح مختلفاً عن الآخرين، وهو ما أدين به لأوسترافا خاصتي ولأصدقائي هناك...

كيف كان مشهد الفن المعاصر في أوسترافا مطلع التسعينيات؟ وما الذي دفعكم إلى المشاركة في بناء البنية التحتية ــ صالة Jáma 10، ومهرجان الأداء الدولي Malamut، ومجموعة Přirození؟

لم يكن هنا، في ما يخصّ الفنون التشكيلية، شيء يُذكر تقريباً. مجرّد الصالة الإقليمية ببرنامجها العتيق؛ وكانت تنقص مؤسسات أخرى كصالة للمدينة، ومدارس فنية ثانوية وعليا، وصالات صغيرة، وسياسة مِنَح، فكان علينا أن نصنع ذلك بأنفسنا، بقدر المستطاع على الأقل. صالات صغيرة (Fiducia، Jáma 10)، ومهرجان الأداء Malamut، ومعارض جماعية وندوات في منجم Michal وفي متحف التعدين تحت Landek، ومجلة Landek، ومعارض وبرامج في نادي Černý pavouk (أي «العنكبوت الأسود») بما فيها كباريه Návrat mistrů zábavy (أي «عودة أساتذة التسلية») وفرقة Vzhůru do dolů (أي «إلى المناجم») ــ وكان ذلك في الثمانينيات ــ ومجموعة Přirození وما إلى ذلك.

في عام 2001 مثّلتم الجمهورية التشيكية في بينالي البندقية ــ أي من «الأطراف» مباشرةً إلى أعرق تظاهرة عالمية. كيف ترون أصلاً هذا التقسيم إلى مركز وأطراف؟ فكما فهمتُ من أدائكم مع Petr Lysáček في Ponavafest هذا العام، حيث استعدتما تجاربكما بعد العودة من معرض في نيويورك، فأنتم لا تُبالون كثيراً بهذه المراكز...

حسناً، بعد إقامة KulturKontakt في فيينا عام 1999، صار الأمناء الأوروبيون Jan Hoet وPeter Weibel وLóránd Hegyi يدعونني إلى معارض دولية، فكانت لديّ خبرة دولية ما حتى قبل البندقية في 2001. كما كانت لي صلات كثيرة في بولندا، وفي مدينة درسدن التوأم، وذلك منذ الثمانينيات. فكنا نبني شبكة مع مجموعات مشابهة من الفنانين والصالات الصغيرة في وسط أوروبا، وفي مدنٍ غير العواصم في الغالب (كاتوفيتسه، كراكوف، فروتسواف، بوزنان، غدانسك، أوبوله، بيلسكو-بياوا، زيلونا غورا، درسدن، برلين، دوسلدورف، كولونيا، ماريبور، ليوبليانا، رييكا، دوبروفنيك، لفيف، كييف، مينسك، غوتنبرغ، هلسنكي، كوبنهاغن وما إلى ذلك). وكنا نبتكر معارض مشتركة أو نتبادل الدعوات لفنّانيهم وفنّانينا. وكانت أفضل التبادلات على الأرجح إلى مهرجانات الأداء حول العالم، بما فيها الصين، لأنها الأقلّ كلفةً من حيث التنظيم والتمويل...

Jiří Surůvka: توأمان، طباعة رقمية، قطعتان، 1997، والشباب إلى الأمام، مُجسّمات، 3 قطع، 2025
«توأمان»، طباعة رقمية، قطعتان، 1997، و«الشباب إلى الأمام»، مُجسّمات، 3 قطع، 2025

أيمكنكم أن تُقرّبوا للقرّاء ملابسات إقامة KulturKontakt في فيينا؟ كيف علمتم بها، وبِمَ تقدّمتم إليها؟ وكيف جرت؟

في ذلك الوقت لم يكن لديّ إنترنت بعد ــ ولا لدى أحدٍ تقريباً ــ فالبريد الإلكتروني على أقصى تقدير. علمتُ بهذه الإقامة من Ilona Németh التي التقيتُها عام 1998 في مِنحة مؤسسة Soros في سان فرانسيسكو. كانت هناك بصفة مختلفة، لكننا التقينا رغم ذلك. فكتبتُ إليهم في أواخر عام 1998، وأرسلتُ كتالوجاً ورسالة دوافع بالإنجليزية (وهذا هو الإجراء المعتاد)، فاختاروني لإقامة في أبريل ومايو ويونيو 1999. وهناك التقيتُ بدوري فنّانَين أوكرانيَّين من كييف، ثنائياً فنّياً، فأوصيا بي لصاحب صالة RA في كييف. دعوتُهما إلى أوسترافا ودعواني إلى كييف. كنتُ قد عرضتُ هناك من قبل، عبر المركز التشيكي، وفي كييف، حين اكتشفوا أن جدّي من كييف، صرتُ عندهم فناناً أوكرانياً يقيم في تشيكيا، وعرضتُ في عدة معارض أخرى. وبطريقة مشابهة، عبر أصدقاء بولنديين، وجدتُ نفسي في الدورة الأولى من مهرجان الأداء Navinki في مينسك (1999)، ثم مرة أخرى عام 2005. أما فرنسا والسويد والصين فدعاني إليها القيّم Jonas Stampe الذي نظّم، ولا يزال يُنظّم، مهرجانات أداء في تلك البلدان. وأنا أعرفه من بولندا أيضاً. وهكذا. للأسف، بعد انضمام الجمهورية التشيكية إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، نقلت هذه المنظمات (KulturKontakt ومؤسسة Soros ومعهد Goethe وPro Helvetia وغيرها) دعمها إلى الشرق أكثر، وبقي كل شيء على عاتق المنظمات التشيكية والدعم الحكومي أو الإقليمي الذي لا يبلغ حتى اليوم ما كان عليه قبل 2004. وقد فتَر إلى حدٍّ ما تقديمُ الفن التشيكي في الخارج، في تقديري. لكن الذنب ذنبنا وحدنا، لأننا لا نُقدّر فنّانينا ونستهين بالفن التشيكي... مع أنه من الطراز الأول!

كيف يُباع فن الأداء أصلاً؟ هل يمكن بيع صور من الحدث مثلما تُباع لوحة على قماش؟

حسناً، فن الأداء يُباع بصعوبة عندنا؛ سأضرب بضعة أمثلة. اتصل بي Milan Knížák ذات مرة راغباً في شراء بعض أعمالي الفيديوية لمجموعة المعرض الوطني. فأرسلتُ إليهم على شريط VHS كل ما لديّ من فيديوهات لينتقوا منها... ثم لم يحدث شيء طوال عشر سنوات، وفي عهد المديرة الجديدة ظهرت الفيديوهات في المجموعة وعُرضت ــ مسجّلةً بوصفها هبةً من المدير آنذاك (M. K.). ولحسن الحظ عالج القيّم الجديد لمجموعة الفن المعاصر الموقف واشترى سلسلة مطبوعات من التسعينيات تتصل بتلك الحقبة، فعوّضني بذلك. أو: أنتج مركز أبحاث الفنون البصرية في الـ AVU (VVP AVU)، بحُسن نية، عدة أقراص DVD لأعمال أداء وفيديو، المجلدات من الأول إلى الرابع، في طبعة من بضع مئات النسخ لأغراض تعليمية. اشترتها كل المؤسسات بثمن زهيد لأرشيفاتها وصارت تملكها ــ فلماذا تشتري الشيء نفسه من الفنانين بثمن لوحة، أليس كذلك؟ أو لاحظتُ قبل أيام أن متحفاً إقليمياً بعينه، بحسب إعلان كبير أمنائه، سيكرّس نفسه لبناء مجموعة من فن الفيديو التشيكي... رائع، لولا أن القيّم نفسه صرّح بأنهم لم يقتنوا شيئاً بعد، لأنه لم يُنتَج هنا أيّ شيء جيّد منذ التسعينيات... حسناً، يا له من ذوّاقة، أو أبله متخصّص مفاهيميّ! إنه ينتظر حتى يصير الأمر عالميّ المستوى!

أوسترافا وإقليمها ــ ذاكرتها الصناعية، وخشونتها، وروح دعابتها ــ صارت لكم موضوعاً ومادةً معاً. إلى أيّ حدٍّ يرتبط عملكم بهذا الإقليم تحديداً؟ ها هي فرصتكم لتبوحوا بحبّكم لأوسترافا...

حسناً، أوسترافا، كما كتبتُ آنفاً، هي ــ أو كانت سابقاً ــ مصيدةً صناعية خشنة للبشر. فالنشوء في بيئة ملوّثة تعجّ بالطبقة العاملة وبالأوغاد الخشنين، تحكمها كوادر شيوعية ثم ورثتها من بعدهم، ليس بالأمر الهيّن، لكنه يصلّبك لبقية حياتك... بما فيها حياتك الفنّية. صنعنا الفن كعصاميّين تماماً، دون معلومات وافرة عن حال الفن المعاصر في العالم، ولذلك اختلف إنتاجنا قليلاً عن إنتاج العاصمة، وكان ذلك في نظر الأمناء الأجانب أكثر إثارةً للاهتمام في أحيان كثيرة. وربما كان أكثر «شرقيةً» أيضاً، لكن في منطقة آمنة وأقرب إليهم... في أحاديثي مع الكاتب Jan Balabán حول عمل تخرّجي «ورق الذباب» (Mucholapky) ــ حيث أُلصقت أجزاء من ملابس عمل عمّال المناجم على سيور مطّاطية من المناجم مُعلّقة من سقف قاعة مصنع ــ خلُصنا إلى أنه ما إن تعلَق أوسترافا في شخصيتك حتى يتعذّر عليك مغادرتها دون «فقدان طرف»، تماماً كذبابةٍ على ورق الذباب...

Jiří Surůvka: مرشّح للرئاسة بنقشة البصل، لوحة، 225 × 250 سم
«مرشّح للرئاسة بنقشة البصل»، لوحة، 225 × 250 سم

وماذا تعني لكم برنو، ثاني مدن الجمهورية التشيكية؟

حسناً، جدّي Vladimír Lozinskij، المولود في كييف عام 1900 في أسرة بولندية-تشيكية، صار فيلقياً تشيكياً بعد ثورة 1917 وصعود الشيوعيين في روسيا القيصرية (التي كانت أوكرانيا حينها جزءاً منها)، وقاتل الحُمرَ في سيبيريا. وبعد تأسيس تشيكوسلوفاكيا وخروج الفيالق من روسيا خلال العشرينيات، أبحر الفيلقيون تدريجياً من فلاديفوستوك على متن سفن شتّى، عبر اليابان والصين وكندا والولايات المتحدة وفرنسا، إلى بوهيميا (وصل جدّي عام 1926). استقرّ في برنو وصار أميناً لحزب الشعب فيها. تزوّج جدّتي (وكانت من نواحي Třebíč). وسكنا فوق ممرّ Typos في وسط برنو حتى عام 1945. ثم، لأن جهاز NKVD كان يعتقل ذوي الأصول الأوكرانية، انتقل إلى إقليم السوديت، حيث كان في Svitavy أميناً لحزب الشعب أيضاً. لكنه اعتُقل للأسف على يد الشيوعيين التشيك عام 1948 وتوفي عام 1952. فهو الآن مدفون في المقبرة المركزية ببرنو، في أقدم أقسامها. وقد صوّرنا مع مجموعة František Lozinski o.p.s. (نعم، هو جدّ ابن عمّي Petr Lysáček أيضاً) عملاً فيديوياً نبحث فيه عنه في مقبرة برنو برفقة الكلب Emil...

كما أدّيتُ خدمتي العسكرية في برنو عامَي 1981-1982 (في المستشفى العسكري في Zábrdovice، مسعفاً ومجنّداً في الخدمة الأساسية ــ سنتان حينها). أعجبتني برنو؛ كنا نرتاد حانة U Pavouka قرب مصانع Zbrojovka، في حيّ صناعي يشبه أوسترافا كثيراً، يعجّ بالغجر الذين نُقلوا إلى برنو من Ostrava-Vítkovice تحديداً... وكنتُ آنذاك أرتاد أيضاً عروض «المسرح على خيط» (Divadlo na provázku)، و«بيت الفن»، وفي الصيف حديقة Morgal (المتحف المورافي). كنا بالزيّ العسكري ندخل مجاناً، لكن كان علينا أن نجلس في المقدّمة، وأن ننهض عند الإشارة ونرفع أذرعنا ونؤدّي دور الأشجار ونلوّح بأيدينا كأنها أغصان. وقد أثار ذلك على الأرجح اهتمامي بالمسرح غير التقليدي وأنشأ طموحي في مجال الكباريه والأداء.

كنتُ أحبّ العودة إلى برنو. كان العضو الثالث في مجموعتنا الأدائية، František Kowolowski ــ وأصله من Jablunkov في جبال Beskydy ــ يعمل في «بيت الفن» وينظّم مهرجان الأداء A.K.T. ومنذ أيام الدراسة عرفتُ أيضاً ثنائي فنّاني برنو Blahoslav Rozbořil وJosef Daněk، وبالطبع Václav Stratil ــ الذي كان حينها لا يزال من أولوموتس ويقيم في براغ (ثم أقام لاحقاً في برنو) ــ وفنّانَي الأداء Tomáš Ruller وKáča Olivová (التي كانت حينها لا تزال طالبة في FaVU، أي كلية الفنون الجميلة في برنو، ثم صارت صاحبة صالة في Umakart). وهكذا. ولا يسعني أن أنسى أيضاً أنشطة Zdeněk Plachý، والمعارض في فضاء Skleněná louka (أي «المرج الزجاجي») الذي كان يديره، والمشاركة في مشاريعه التلفزيونية (فنانون من أجل الناتو...) حيث كنا نلتقي بفنّانين آخرين من برنو وبفنّاني أداء عَرَضيّين وبشخصيات من بوهيمية برنو (الدكتور Zavadil وMarian Palla وكثيرين غيرهم).

دَرّستم سنوات طويلة في قسم الوسائط البينية بكلية الفنون في جامعة أوسترافا. هل حاولتم إقناع طلابكم بالبقاء في الإقليم، أم كنتم ترسلونهم إلى العالم بالعكس؟ وماذا كنتم تقولون لهم عن «المسيرة المهنية» في الفن؟

كنتُ أُدرك أن معظم الخرّيجين سيُضطرّون لأسباب معيشية إلى مغادرة أوسترافا والانطلاق إلى العالم، ومَن بقي منهم كنتُ أدعمه بمعارض في صالة Jáma 10. وكنتُ أفرح بمن فرضوا حضورهم في براغ وغيرها... كنتُ أنصحهم كيف يفرضون حضورهم ــ ولو بفضيحة مثلاً، أو بأعمال الأداء ــ وألّا يبقوا بمنأى عن الحراك المجتمعي، وأن يصنعوا فناً ملتزماً. لكن بحسب طبيعة كلٍّ منهم ــ كانوا مختلفين، وكانت النصيحة على قدر ذلك.

حين تقارنون مشهد أوسترافا اليوم بتسعينياته ــ هل تطوّر بالاتجاه الذي كنتم ترجونه؟ وهل صار على الفنان الشابّ خارج براغ أن يفرض حضوره اليوم أسهل أم أصعب مما كان حينها؟

حسناً، الظنّ بأنكم إن بقيتم في الإقليم فستعيشون من فنّكم فوراً هو ظنٌّ ساذج. ناهيك عن تكوين أسرة في الوقت نفسه. لا بدّ من إيجاد عمل ما كي تتمكّنوا من إنجاز عملكم الخاص إلى جانبه. لهذا، بعد عشر سنوات من الفقر والعوز، ذهبتُ أنا أيضاً للتدريس في الثالثة والأربعين. لكنني لم أُكوّن أسرة قط... وهو على الأرجح ثمن باهظ جداً مقابل نجاح نسبيّ...

Jiří Surůvka: الأبوّة، 2003، مُجسّم ومطبوعات رقمية بأحجام مختلفة، تجهيز في غرفة محرّكات EPO1، تروتنوف، 2025
«الأبوّة»، 2003، مُجسّم ومطبوعات رقمية بأحجام مختلفة، تجهيز في غرفة محرّكات EPO1، تروتنوف، 2025

الزواج أو الأسرة مشروعان شاقّان في ذاتهما. لو أُتيح لكم أن تختاروا من جديد وبشكل مختلف، أثمّة ما تودّون مشاركته كي يتأمّله الخرّيجون الشباب؟

حسناً، من خلال أحاديثي مع زملائي وزميلاتي في الوسط الفنّي، للنساء تراتبية واضحة، بخلاف الرجال (أو هكذا كانت على الأقل): 1. العلاقة والحبّ، 2. الأسرة والأطفال، 3. العمل والمسيرة. أما نحن الرجال فتقريباً: 1. العمل والمسيرة، 2. ثم كل ما عدا ذلك. لكنني لا أدري إن كان هذا أيضاً يتغيّر مع تصاعد النسوية وتبدّل الأولويات ــ ربما صار الأمر معكوساً الآن وصرنا سواءً، وعندها أظنّنا سننقرض، أو على الأقل سنتكاثر أقلّ، لأن البشرية تبلغ بالفعل عددها الأقصى، وبدأت السيارات الفارهة والسريعة تغدو بلا جدوى للأوليغارشية الحاكمة، إذ تعلَق بها في زحمة السير نفسها التي يعلَق فيها عامّة الناس بسياراتهم الرخيصة المستعملة... وهذا بالطبع كارثة. وسيسأم الذكاء الاصطناعيّ منّا هو أيضاً حتى ثماله الافتراضية قريباً!!!

حسناً، سنرى! شكراً على الحوار!

اقرأ باللغة الأصلية: Česky

اكتشف الفنانين

Jana Omelková

التشيك نحت

Adéla Fejfarová

التشيك رسم

Michael Hon

التشيك رسم